أبو حامد الغزالي
78
تهافت الفلاسفة
تغير حال محال ، لأن الكلام في ذلك التغير الحادث كالكلام في غيره ، والكل محال ، ومهما كان العالم موجودا واستحال حدوثه ، ثبت قدمه لا محالة « 1 » .
--> ( 1 ) ذلك هو دليل الفلاسفة . ويصور الفلاسفة صدور العالم عن اللّه على الوجه الآتي : صدر عن اللّه العقل الأول ، وهو موجود قائم بنفسه ليس بجسم ولا منطبغ في جسم ، يعرف نفسه ويعرف مبدأه ويلزم عن وجوده ثلاثة أمور ، عقل ثان ، ونفس الفلك الأقصى ، وجرم الفلك الأقصى - وذلك لأنه يعقل مبدأه ، ويعقل نفسه ، وهو باعتبار ذاته ممكن الوجود ، وهذه جهات ثلاثة مختلفة ، فيصدر عن كل جهة شئ ، الأشرف عن الأشرف ، والأدنى عن الأدنى - ويلزم عن العقل الثاني ثلاثة أمور أيضا من هذا القبيل ، وهكذا ، حتى ننتهى إلى العقل العاشر المسمى بالعقل الفعال الذي يلزم عنه المادة التي في معقر فلك القمر ، القابلة للكون والفساد ؛ ثم إن المواد تمتزج بسبب حركات الكواكب امتزاجات مختلفة يحصل منها المعادن والنبات والحيوان ، وأصل هذه المواليد الثلاثة العناصر الأربعة : التراب والماء والهواء والنار . فتكون محتويات العالم العلوي ، العقول العشرة والنفوس التسعة ، والأفلاك التسعة ، ومحتويات العالم السفلى ، المادة الموزعة على هذه العناصر الأربعة » فالعقول ، والنفوس الفلكية ، والأجسام الفلكية بموادها وصورها الجسمية والنوعية وأشكالها وأضوائها ؛ والعنصريات بمادتها ، وصورها الجسمية ، كل ذلك قديم عندهم ، وأما الصور الشخصية للعنصريات فحادثة وكذلك الأعراض ، وأما الصور النوعية للعنصريات ، فينقل عنهم فيها خلاف . إذا كان الفلاسفة هكذا يصورون العالم ، فيجعلون بعضا منه قديما ، وبعضا حادثا ، فهل الدليل الذي نقله الغزالي عنهم هنا ، والذي هو صورة طبق الأصل - كما رأينا في المقدمة - لما ذكره ابن سينا في الإشارات ، ينتج هذا التصوير ؟ أم ينتج فقط أن العالم في جملته قديم ، ولو على صورة أخرى ، كأن يكون القديم مثلا - هو : ا - الهيولى ب - بعض الكائنات الروحية فبقدم الهيولى يتحقق القدم الذي يراه الفلاسفة ضروريا . ويقدم بعض الكائنات الروحية ، يمكن تفادى . الصعوبة التي تنشأ من اتصال المادة باللّه مباشرة ، فيكون لهذه الكائنات الروحية من تعدد الجوانب ما يمكن لها من الاتصال باللّه والاتصال بالمادة . وبناء على هذا التصوير يمكن تعرض عالم الأفلاك للتغير حسب قول اللّه تعالى : « يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّماواتُ ، وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْواحِدِ الْقَهَّارِ » وقوله عز من قائل : « إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ ، وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ . . . » وقوله « إِذَا السَّماءُ انْفَطَرَتْ ، وَإِذَا الْكَواكِبُ انْتَثَرَتْ ، وَإِذَا الْبِحارُ فُجِّرَتْ ، وَإِذَا الْقُبُورُ بُعْثِرَتْ . . . إلخ » لأنه لا يكون قديما إلا هيولاه ، أما صوره فيجوز أن تتبدل . فإن أصر الفلاسفة على أن هيولى الأفلاك وصورها قديمة ، أو لم يجعلوا الأفلاك مؤلفة من هيولى وصورة كما تتألف العناصر ، كان لا بد لهم من مواجهة المشكلتين الرئيسيتين التاليتين :